السيد محمد الصدر
485
تاريخ الغيبة الصغرى
في التخطيط الإلهي صحته ، كما برهنا عليه في ( تاريخ ما بعد الظهور ) . وان المسيح عليه السلام ينزل فيصلي وراء المهدي ( ع ) ، ويكون له في قيادة الدولة وهداية البشر - وخاصة المسيحيين منهم - تحت ظل المهدي ( ع ) يد طولى . ولعل هذا بعينه هو المراد من الفكرة التاسعة ، وهي مجيء المسيح لتكفير خطايا البشر . فإنه يكفر خطاياهم - لا بموته بدلا عنهم - بل بهدايته لهم وتوجيههم نحو الإيمان والاستغفار . سواء في حياته الأولى التي كان فيها أو في حياته الثانية التي ينزل فيها . وهدايته للناس يومئذ يوازي بالضبط ما فهمناه من مصلحة نزول المسيح في مستقبل الدهر . بقيت لدينا الفكرة العاشرة ، وهي الثالوث المقدس . . . فهي فكرة باطلة زعم مؤلفو الأناجيل أن المسيح أوصى بالتبشير بها عند قيامه بعد مقتله بثلاثة أيام ، ثم صعد إلى السماء . وقد قام البرهان القطعي على وحدانية اللّه الخالق الحكيم وحدانية مطلقة ، كما هو مبحوث في كتب العقائد الإسلامية . وأما قبل ذلك ، أعني خلال الحياة الاعتيادية للمسيح ، فلا يوجد في الأناجيل اهتمام حقيقي بالثالوث . نعم يوجد تطبيقات له خلالها كالتعبير عن اللّه عز وجل بالأب أو أبي أو أبوكم السماوي أو أبونا الذي في السماء ، وكالتعبير عن المسيح بابن اللّه ونحو ذلك . وقد فهم المسيحيون من ذلك كونه تطبيقا للثالوث المقدس . ولكننا يمكن أن نتبرع فنحمل أناجيلهم على الصحة ، فنحمل الأبوة والبنوة على المعنى المجازي الناشئ من أحد مستويات ثلاثة : المستوى الأول : مستوى الخلق والتكوين . فكما ان الأب يكون سببا لوجود ولده ، فكذلك يكون الخالق العظيم سببا لوجود العالم ، سواء المسيح أو غيره ، والبشر وغيرهم . المستوى الثاني : مستوى فهم المصلحة . فان الخالق الحكيم أبصر بمصالح الفرد والمجتمع أكثر من البشر أنفسهم ، كالأب بالنسبة إلى الطفل . وكما أن الأب حريص على مصالح ولده ، فكذلك الخالق بالنسبة إلى البشر . المستوى الثالث : مستوى الطاعة . فان الفرد المطيع والمجتمع المطيع للّه عز وجل ، يكون - لا محالة - محبوبا له ، أكثر مما يحب الوالد ولده بكثير . وكما ينبغي للابن أن يطيع والده ، فكذلك الفرد والمجتمع بالنسبة إلى الخالق ، وبدرجة أعلى